الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

260

محجة العلماء في الأدلة العقلية

الأمور والحاصل ان وجوب التبيّن مع عدمه ممّا يستقلّ به العقل وانما الغرض هو الوعظ والتحذير عن الاعتماد على ما عدا العلم والركون إلى الظنون فكأنه تعالى قال إن خبر الوليد مع أنه غير صالح لان يتبين به الواقع فالاعتماد عليه إصابة للقوم بجهالة وهي ما يورث الندم الدائم فهو عبارة أخرى عن أن من لا علم له بالواقع لا مناص له عن تحصيله ومن مصاديقه هذه الواقعة فإنه لا طريق لهم الّا خبر الوليد وهو لا يوجب البيان فبهذا البيان اتضح ان مفاد الآية انه لا يعول الّا على العلم وان خبر الفاسق حيث إنه لا يوجبه ساقط عن الاعتبار هذا معنى الآية على هذه القراءة واما على القراءة الثّانية فالمعنى ان المنبأ حيث إنه يريد تهيج المسلمين وتحريكهم إلى القتال وبعثهم على الايقاع بهم فارغموا انفه ولا تغتروا بكلامه وافعلوا ما يضاد اغوائه وهو التثبّت فانّ فيه السّداد والرشاد وهو أيضا يفيد عدم حجيّة خبر الفاسق بالمطابقة وقوله عزّ من قائل ان تصيبوا الآية بيان لما دل عليه الكلام على وجه الاجمال وهو ان الاعتماد على خبر الفاسق اقدام على المكروه فانّ التثبّت انما هو للتحفّظ عن الواقع فيما يكرهه الشخص ومن المعلوم ان الخطأ يختلف تأثيره باختلاف ما يخبر به الفاسق وإصابة القوم بجهالة يختص به خبر الوليد بارتداد القوم ويماثله وليس هذا اثرا عاما لجميع اخبار جميع الفساق وهذا أيضا من أقوى الأدلة على أن النظر في الآية الشريفة مقصور على خصوص الواقعة والّا لوجب ان يقال إن تخطئوا وما توهم انه من قبيل مجاز الحذف أو انه حذف لئلا فلا يخفى فساده فان مجاز الحذف مع فساده في نفسه لا يجرى في المقام وإرادة النفي من الاثبات من أقبح الكلام واعتبار شرائط لكلمته ان المفسّرة مع انتفائها في المقام جزاف صرف بل التحقيق ان هذه الكلمة بل جميع الالفاظ ليس لها الّا معنى واحد والاشتراك عندنا باطل انما ينشأ توهّمه من عدم تعقل الجامع كما أن الترادف انما يتوهّم من عدم تصور الفارق لدقتهما وخفائهما في أكثر الموارد كما حققناه في محلّه واما لفظة جهالة فمادتها الجهل والهيئة على ما يظهر بالاستقراء معناها كون الشيء بحيث يتصف بالمبدأ لا نفس المبدا فهو أيضا ممّا يشتق عن المصدر الأول كالمزيد فيه فان كون الشخص ضاربا المعبّر عنه بالضاربيّة معنى غير معنى الضرب فهو مصدر منتزع عن اسم الفاعل فالكتب نفس الحدث والكتابة الاتصاف بالمبدأ وهذا هو الفرق بين الهدى والهداية وهو معنى الرواية والدّراية والسّراية والكفاية والكفالة والصياغة والبداية والنهاية والندامة والكرامة والغواية والعبادة والنباهة وغيرها مما يماثلها فبعض الموارد ممحّض في هذه الجهة فلا تجرى فيه غير هذه الهيئة والبعض الآخر بالعكس فلا تصلح لها والحاصل انه يستفاد منها كثيرا معنى الطريقة والصّفة فمعنى الجهالة صفة لا تليق الّا باهل الجهل منها قوله تعالى حكاية عن يوسف ومنه قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السّلم قال معاذ اللّه ان أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ وبعبارة أخرى اتخاذ الجهل دأبا فالعمل بخبر الفاسق دخول في ذي أهل الجهل الذين اتخذوا العمى والضلال ديدنا وشيمة فمن العبارة تفسير الجهالة بالسّفاهة وغيرها فان المادّة مأخوذة في جميع المشتقات والهيئة لا تصلح للتغيير فإنها كالحرف آلة صرفة وتابعة محضة وهذه الفقرة أيضا تدل على أن الغرض انما هو تعرض الواقعة فان هذا اثر الاعتماد على قول هذا المنافق لا العمل بمطلق خبر غير العدل والاصباح في مثل المقام عبارة عن الاتصاف بما يذكر بعده وهو في المقام الندم وفي العدول عن قوله فتندموا إلى هذه العبارة وتقديم الظرف لكن لا مجال للتعرض